إصرار الفنانين الإماراتيين على تقديم مقاربات خطية تستلهم تراث الخط الإسلامي بروح فنية معاصرة هو إصرار لافت يعنى بتطوير الحرف العربي ونقله من إطاره التقليدي الكلاسيكي إلى فضاء الفن التشكيلي المعاصر، ليصبح لغة بصرية تفهمها وتتفاعل معها الأجيال الحالية، والثقافات المختلفة، حيث يتحرر الفنان هنا، من القوالب الجاهزة، فيركز على البعد الجمالي، والكتلة، والفراغ، وحركة الحرف بدلاً من التركيز فقط على وضوح النص المقروء أو الالتزام الحرفي بقواعد الهندسة المدرسية للخط.
في واحدة من لوحات الخطاط الإماراتي محمد عيسى خلفان، التي نفذها بالخط الثلث الجلي، اختار الآية الكريمة: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً) (آل عمران-97).
يقوم التكوين الفني في هذه اللوحة على الحركة وانسياب الحروف وامتدادها الأفقي، مع ذلك الحضور القوي للحروف الرأسية كما نلحظه في الألفات واللامات، ففي وسط اللوحة تتركز الكتلة الأساسية للمركز البصري حيث تتداخل الحروف وتتشابك وتمتد خارج حدود الكتلة الخطية، وتمنح الامتدادات الأفقية الطويلة للحرف من الوسط إلى جهة اليمين، التكوين حركة واضحة خارج حدود كتلة الخط المركزية، كما أن تركيب الحروف وتداخلها، كما هو معروف في خصائص وميزات الخط الثلث الجلي جاء مقصوداً وليس عشوائياً بما يخلق وحدة بصرية تجعل النص يتحول إلى منظور تشكيلي جمالي واضح.
توازن
برع الخطاط محمد خلفان في خلق توازن مدروس بين الكتلة والفراغ حيث المساحة المفتوحة التي تحيط بكتلة الخط وذلك لتوجيه نظر المشاهد إلى جمال المنظور الفني وهذا يمنح الخط فرصة لتألق حضوره البصري، ويتجلى التوازن هنا، في تلك الامتدادات الخطية الطويلة من جهة اليمين، في مقابل كثافة الحروف في مركز اللوحة مع ما فيها من امتدادات رأسية نحو الأعلى، وهذا يخلق مساراً بصرياً شبه دائري بالنسبة لعين المشاهد، كما يمنح اللوحة قيمة تشكيلية كبيرة، فالنص القرآني لا يؤدي وظيفة قرائية فحسب، بل يصنع مساراً بصرياً، حيث يبدأ الخط كنقطة ويمتد ليخلق حركة ووجهة على سطح العمل الفني، ويقود عين المشاهد عبر اللوحة، فينظم مسار رؤية المتلقي بين أجزاء العمل المختلفة.
بناء بصري
نجح الخطاط محمد خلفان في هذه اللوحة في تحويل الآية القرآنية إلى بناء بصري، بحيث لا تكون الكلمات مجرد نص مكتوب، وإنما تتحول إلى مادة فنية، فهناك عدة مستويات في هذه اللوحة الجميلة، أولها المستوى اللغوي والروحي، حيث معنى الآية الذي له صلة بفريضة الحج، والمستوى التشكيلي حيث تتحول الحروف إلى خطوط وكتل وحركة وإيقاع، وهنا تكمن براعة التصميم وخصوصية اللوحة، فالمعنى الديني لا يشرح بصورة مباشرة، بل هو يتجسد من خلال الحرف العربي وطاقة الحرف العربي.
اللون
اعتمد الخطاط محمد خلفان في هذه اللوحة على (الاقتصاد اللوني) – إن جاز التعبير- فاللون الأسود في كتابة الحرف جعل هذا اللون مسيطراً، وهذا منح اللوحة قوة وهيبة ووضوحاً، كما منحها ثقلاً بصرياً في الوسط، وهناك الخلفية من اللون الأصفر الفاتح، وهذا اللون بدوره منح اللوحة دفئاً وهدوءاً، وهو لون يربط اللوحة من الناحية البصرية بالتراث، وذلك ينسجم مع إطار اللوحة وما فيها من زخرفة طفيفة، ويجعل اللون موظفا لخدمة الخط وليس منافساً له.
إضاءة
محمد عيسى خلفان أحد الفائزين بجائزة العويس للإبداع في مجال الخط، وحصل على إجازة في خطي الثلث والنسخ، ولد في عام 1966 وتتلمذ على يد الخطاط د. صلاح شيرزاد، شارك في معارض محلية وعربية ودولية، بما في ذلك معارض جمعية الإمارات للفنون التشكيلية منذ عام 1992، وله مشاركات في معارض الخط العربي في مجلس التعاون لدول الخليج العربية في الكويت والبحرين قطر، ملتقى الخطاطين العرب في بيروت وغيرها.
المصدر: جريدة الخليج

