أبوظبي في 22 يونيو / وام / لم تعد الصورة الفوتوغرافية مجرد لقطة توثق لحظة عابرة، بل أصبحت لغة موازية للنص المكتوب، تحفظ الذاكرة وتروي تحولات الإنسان والمكان، وهو ما تنطلق منه مبادرة “الصورة شاهد” التي أطلقها مركز أبوظبي للغة العربية، لتؤسس مشروعاً ثقافياً ومعرفياً يضع الصورة في قلب عملية إنتاج المعرفة وصون الهوية الوطنية.
وتأتي المبادرة انطلاقا من رؤية تسعى إلى تكريس حضور الصورة الفوتوغرافية شاهدا على التجارب الإنسانية والذاكرة الحضارية، وإبراز دورها أداة للتوثيق الثقافي تحفظ تفاصيل مسيرة التنمية الاستثنائية التي شهدتها دولة الإمارات وعاصمتها أبوظبي، وتعيد تقديمها للأجيال الجديدة بلغة بصرية معاصرة.
وتتجاوز “الصورة شاهد” مفهوم الأرشفة التقليدية، إذ تنظر إلى الصورة بوصفها خطابا بصريا يمتلك القدرة ذاتها التي تمتلكها الكلمة المكتوبة على رواية التاريخ والتحولات الاجتماعية والثقافية والإنسانية، ما يجعلها جزءا أصيلا من المشهد الثقافي والمعرفي.
وقال سعادة سعيد حمدان الطنيجي، المدير التنفيذي لمركز أبوظبي للغة العربية، في تصريحات لوكالة أنباء الإمارات “وام”، إن الصورة تمثل إرثا إنسانيا وثقافيا بالغ الأهمية، ولا تقتصر مسؤولية المؤسسات الثقافية على حفظ هذا الإرث وإتاحته للأجيال المقبلة، بل تمتد إلى تنمية مهارات قراءته وفهم رسائله، بما يحول هذا المخزون البصري إلى معرفة قابلة للتطبيق تسهم في نهضة المجتمع وتعزز الاقتصاد القائم على المعرفة.
وأضاف أن مبادرة “الصورة شاهد” تعكس إيمان المركز بأن الصورة أصبحت شريكا أساسيا للنص في حفظ الذاكرة وصناعة المعرفة، مشيرا إلى أن المبادرة تسعى إلى بناء سردية بصرية متكاملة توثق روح المكان وتفاصيل الحياة اليومية، وتبرز التحولات التي شهدتها أبوظبي عبر العقود.
وأكد الطنيجي أن المبادرة تأتي انسجاما مع مبادئ “عام الأسرة”، ومن هذا المنطلق حرص المركز على أن تكون أنشطتها مفتوحة أمام مختلف فئات المجتمع، مع إيلاء اهتمام خاص بالناشئة والشباب، بهدف إعداد جيل واع بإرثه الثقافي، قادر على توظيف أدوات الصناعات الثقافية والإبداعية، واستثمار الماضي في خدمة الحاضر وصياغة المستقبل.
وأوضح أن الصورة ليست مجرد وسيلة لتسجيل الأحداث، وإنما نافذة لفهم المجتمعات وتطورها، مشيرا إلى أن ما يميز التجربة الإماراتية هو قدرتها على الجمع بين المحافظة على الأصالة والانفتاح على المستقبل، وهو ما تسعى المبادرة إلى ترسيخه من خلال تعزيز ثقافة التوثيق البصري وإثراء قطاع النشر الثقافي.
واختار مركز أبوظبي للغة العربية قصر الحصن محورا للدورة الأولى من المبادرة، باعتباره أقدم معالم أبوظبي وأبرز رموزها التاريخية، ولأن أول صورة معروفة لهذا الصرح تعود إلى عام 1901، حين التقطها الأميركي صمويل زويمر خلال زيارته إلى أبوظبي، واصفا القصر آنذاك بأنه “حصن مثير”، لتشكل تلك الصورة بداية التوثيق البصري الحديث لتاريخ الإمارة.
ويمثل قصر الحصن شاهداً على مسيرة التحولات التي عاشتها أبوظبي، إذ وثقت عدسات المصورين على امتداد العقود تطور هذا المعلم التاريخي وما أحاط به من تغيرات عمرانية واجتماعية وثقافية، لتصبح الصورة نفسها جزءا من الحكاية ووسيلة لرصد تطور المكان والإنسان معا.
وتضم الدورة الأولى من “الصورة شاهد” مجموعة متنوعة من الفعاليات، في مقدمتها مسابقة التصوير الفوتوغرافي التي تتيح للمشاركين توثيق قصر الحصن من زوايا فنية متعددة، ضمن أربع فئات تشمل التصوير المعماري، والأبيض والأسود، والضوء والظل، والتحرير الإبداعي باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.
وتشمل المبادرة جلسات حوارية وندوات ثقافية يشارك فيها نخبة من الفنانين الفوتوغرافيين والباحثين في التاريخ والفنون، لمناقشة دور الصورة في حفظ الذاكرة الجمعية وإعادة تقديم التراث بلغة بصرية مبتكرة، فضلا عن تعزيز الحوار الثقافي بين دولة الإمارات والعالم.
وتحتضن المبادرة معرضاً فوتوغرافياً يقام ضمن فعاليات الدورة المقبلة من معرض أبوظبي الدولي للكتاب، والتي تقام في الفترة من 13 إلى 18 سبتمبر 2026، لتقديم تجربة بصرية تفاعلية تجمع بين الصور التاريخية والمعاصرة، وتوثق مسيرة أبوظبي ونهضتها الشاملة وتحولاتها الثقافية والعمرانية، عبر مزيج من الصور الثابتة والإسقاطات البصرية الحديثة.
كما تختتم فعاليات الدورة الأولى بإصدار كتاب توثيقي يضم الأعمال والصور المختارة، ليشكّل مرجعاً بصريا يوثق جانباً من ذاكرة المكان، ويؤكد أن الصورة ليست مجرد انعكاس للماضي، بل وسيلة لحفظه وإعادة اكتشافه ونقله إلى المستقبل.
المصدر – وكالة أنباء الإمارات

