فرضت التطبيقات المصرفية نفسها بقوة على تعاملات العملاء مع البنوك، بعدما أتاحت إنجاز عدد كبير من الخدمات والمعاملات اليومية عبر الهاتف، من التحويلات ودفع الفواتير إلى إدارة البطاقات ومتابعة الحسابات، لتصبح زيارة الفرع أقل حضوراً في الحياة المصرفية اليومية.
رغم هذا الانتشار المتسارع، لا تزال الفروع تحتفظ بدور مهم لدى شرائح من العملاء، خاصةً عندما يتعلق الأمر بخدمات تتطلب استشارات أو إجراءات أكثر تعقيداً، ما يطرح تساؤلات حول مستقبل الفروع في ظل التوسع المستمر في الخدمات الرقمية.
وبلغ عدد فروع البنوك المحلية 444 فرعاً في نهاية النصف الأول 2026، مقارنة ب 447 فرعاً بنهاية 2025.
وقال خبراء مصرفيون ل«الخليج» إن التطبيقات المصرفية أصبحت تستحوذ على جانب كبير من المعاملات اليومية، مدفوعة بالتوسع المتسارع في الخدمات الرقمية، ما أسهم في تقليص الحاجة إلى زيارة الفروع التقليدية، خاصة لإنجاز الخدمات الروتينية.
وأوضحوا أن هذا التحول لا يعني اختفاء الفروع، وإنما إعادة تعريف دورها، لتتركز بصورة أكبر على المعاملات المعقدة وذات القيمة المرتفعة، والاستشارات والخدمات المتخصصة، في وقت لا تزال فيه بعض شرائح العملاء والحالات الاستثنائية بحاجة إلى التعامل المباشر، مؤكدين أن المزيد من الخدمات المصرفية سينتقل إلى التطبيقات خلال السنوات المقبلة.
بديل حقيقي
أكد أمجد نصر، الخبير المصرفي، أن التطبيقات المصرفية أصبحت بديلاً حقيقياً عن الفروع في معظم المعاملات اليومية، خاصة للأفراد، ولكن التطبيق لم يُلغ الحاجة إلى الفرع، وإنما غيّر طبيعة هذه الحاجة، حيث أصبح العميل يذهب إلى الفرع عندما تكون المعاملة أكثر تعقيداً، أو ذات قيمة مرتفعة، أو تحتاج إلى استشارة أو تحقق إضافي.
حسن الريس
وأوضح أن هناك مجموعة واسعة من الخدمات التي يستطيع العميل إنجازها بالكامل عبر التطبيق، من بينها فتح وإدارة الحسابات، والتحويلات المحلية والدولية، ودفع الفواتير والخدمات، وإدارة البطاقات وتجميدها أو إلغاء تجميدها، وطلب بطاقات جديدة، وتحويل الأموال بين الحسابات، ومتابعة الأرصدة وكشوف الحساب، إلى جانب بعض طلبات التمويل والقروض، وتحديث بعض البيانات الشخصية، والاستثمار في بعض المنتجات المالية، وخدمات الدفع والمحافظ الرقمية.
وأضاف أن الخدمات التي تحتاج إلى تفاعل بشري، أو تحقق من الهوية، أو تقييم ائتماني واستشاري متقدم، تظل أكثر ارتباطاً بالفروع، بما يشمل بعض معاملات التمويل الكبيرة، وإدارة الثروات، وبعض الإجراءات القانونية، والحالات الاستثنائية، أو المعاملات التي تتطلب مستندات أصلية أو توقيعات محددة، لافتاً إلى أن السبب ليس أن التكنولوجيا غير قادرة على تنفيذ هذه الخدمات، وإنما لأن المخاطر التنظيمية والائتمانية والقانونية تجعل وجود الموظف والتفاعل المباشر أكثر أهمية في بعض الحالات.
وبيّن أن الشركات، خاصة المتوسطة والكبيرة، لديها احتياجات أكثر تعقيداً، مثل التمويل، والتسهيلات الائتمانية، وخطابات الضمان والاعتمادات المستندية، وإدارة النقد والسيولة، والرواتب، والتجارة الدولية، وهيكلة المعاملات.
تحديات رقمية
قال حسن الريس، الخبير المصرفي، إن التطبيقات الذكية ساهمت في استيعاب ما يصل إلى 97% من المعاملات المصرفية الروتينية، مثل تحويل الأموال، ودفع الفواتير، وفتح الحسابات الجديدة، مشيراً إلى أن نقل المعاملات اليومية إلى الهواتف الذكية أدى إلى تراجع الازدحام التقليدي داخل الفروع، مع الاستفادة من ميزات حجز المواعيد المسبقة وسحب تذاكر الانتظار الافتراضية عبر التطبيق. وأضاف أن أبرز شكاوى العملاء تتركز حول افتقار بعض التطبيقات لسهولة الاستخدام، إذ إن كثرة الخطوات المطلوبة لإتمام معاملة بسيطة، أو إخفاء الخيارات الأساسية داخل قوائم فرعية مربكة، تثير إحباط المستخدمين وتدفع بعضهم إلى التخلي عن التطبيق والتوجه إلى الفرع.
أحمد عرفات
وأوضح أن جمود الأنظمة الرقمية أمام الحالات غير التقليدية يمثل تحدياً آخر، حيث تعجز روبوتات الدردشة والرد الآلي أحياناً عن استيعاب الحالات الخاصة أو معالجة الأخطاء البسيطة، فيما تشكل التحديثات المفاجئة للتطبيقات أو فترات صيانة النظام عائقاً أمام إتمام المعاملات العاجلة.
تعامل مباشر
من جانبه، أوضح أحمد عرفات، الخبير المصرفي، أنه رغم الانتشار السريع للتطبيقات المصرفية وتوسع الاعتماد عليها، لا يزال التعامل المباشر مع الفروع مهماً لشرائح من العملاء، لافتاً إلى أن كبار السن يمثلون إحدى الفئات التي لا تزال تفضل التعامل المباشر، إلى جانب العملاء الذين يترددون في الاعتماد على بعض موظفي مراكز الاتصال والذكاء الاصطناعي، خاصةً عندما يتعلق الأمر بخدمات تتطلب استشارات أو إجراءات معقدة أو مصيرية.
وأضاف أن الاعتماد على التطبيقات المصرفية لا يعني بالضرورة الاستغناء الكامل عن التعامل المباشر، وإنما يختلف الأمر بحسب طبيعة العميل والخدمة التي يحتاج إليها. وتابع: ومن المتوقع أن تتجه البنوك تدريجياً إلى تقليص أعداد بعض الفروع أو إعادة توزيعها، مع توسع الخدمات الرقمية، مشيراً إلى أن التركيز سيتحول تدريجياً من تنفيذ المعاملات اليومية إلى تقديم الاستشارات والخدمات المتخصصة، مثل التمويل والاستثمار.
وأوضح أن هذا التحول لا يعني بالضرورة اختفاء الفروع، وإنما تغيير طبيعة الخدمات التي تقدمها، مؤكداً أن الصورة لا تبدو أقرب إلى نهاية الفروع بالكامل، وإنما إلى تحول وظيفتها بما يتناسب مع التوسع في الخدمات المصرفية الرقمية.

